صندوق النقد الدولي يحذر: العملات المستقرة بالدولار سلاح ذو حدين يهدد استقرار العملات المحلية!
في تطور يثير النقاش ويستدعي الانتباه، كشفت ورقة عمل حديثة صادرة عن صندوق النقد الدولي (IMF)، أعدها الباحث براندون جويل تان، عن وجه آخر للعملات المستقرة المدعومة بالدولار، محذرة من قدرتها على إثارة أزمات عملة في الاقتصادات التي تدافع عن سعر صرف ثابت ومبالغ في قيمته. هذه الورقة البحثية، التي تأتي في وقت يتزايد فيه الاعتماد على الأصول الرقمية، تلقي الضوء على طبيعة هذه العملات كـ«سلاح ذي حدين» قد يعزز الرفاهية في أوقات الهدوء، لكنه قد يفاقم المخاطر بشكل كبير خلال فترات عدم الاستقرار.
العملات المستقرة: من محفز للاستقرار إلى محفز للأزمات؟
تُظهر نتائج الدراسة أن العملات المستقرة المرتبطة بالدولار، مثل تيثر (USDT)، يمكن أن تحوّل الأسعار المجزأة في الأسواق الموازية إلى إشارة واحدة وواضحة، مما يتيح للأسر الخروج من العملة المحلية بشكل منسق وسريع. في الأوضاع الطبيعية، عندما تدافع الحكومات عن سعر صرف رسمي بعيداً عن مستوى السوق، يتم تقنين العملات الأجنبية، ويلجأ المشترون إلى الأسواق الموازية للحصول على الدولار. هذه الأسواق عادة ما تكون مجزأة، بأسعار مختلفة يقدمها التجار والوسطاء والبنوك، مما يجعل من الصعب تحديد القيمة الحقيقية للندرة.
لكن العملات المستقرة تغير هذه الديناميكية بشكل جذري. فعندما يتم تداول رمز مربوط بالدولار مثل USDT مقابل العملة المحلية في البورصات، يصبح السعر مرئياً ويتحدث باستمرار، ليتحول إلى مرجع مشترك للدولار الموازي. هذا الكشف الأفضل للأسعار يساعد الأسر على التحوط. ومع ذلك، يحذر تان من أن هذا السعر العام نفسه يمكن أن ينسق عملية خروج جماعية، حيث يتفاعل الجميع مع نفس الرقم في نفس الوقت، مما يؤدي إلى ما يشبه «سباق على العملة».
دروس من بوليفيا والمخاطر المستقبلية
تُقدم بوليفيا مثالاً حياً على هذا التحول. فبعد رفع البنك المركزي القيود على معاملات الأصول الافتراضية في يونيو 2024، تضاعفت هذه المعاملات اثني عشر ضعفاً بين يوليو 2024 ومايو 2025. وبات سعر USDT مقابل البوليفي هو المرجع اليومي للدولار الموازي، بل إن البنك المركزي بدأ بنشر أسعار USDT على موقعه الإلكتروني، مما يعكس مدى تأثير هذه العملات.
من خلال محاكاة ثلاثة نماذج اقتصادية، أظهر تان أن متوسط التعرض للأزمات يرتفع من 3.9% في الاقتصاد النقدي فقط إلى 7.4% في الاقتصاد الذي يعتمد بشكل كامل على العملات المستقرة. وفي أشد حالات عدم التوازن، يقفز هذا الرقم من 4.8% إلى 12.9%. يُعزى الجزء الأكبر من هذا الخطر الإضافي إلى «تأثير التنسيق» الذي تُحدثه العملات المستقرة، حيث أن السعر العام الدقيق يجعل تنسيق الخروج أسهل بكثير.
توازن دقيق بين الفوائد والمخاطر
تُقدم الورقة رؤية معقدة للرفاهية، حيث تبلغ المكاسب ذروتها عند حوالي 1.2% خلال الظروف الهادئة، ثم تتحول إلى سلبية بمجرد تجاوز عتبة معينة من عدم التوازن، لتصل إلى -6.3% في الحالات القصوى. لذلك، يشير تان إلى أن القيود الشاملة قد تكون رجعية، حيث تحرم الأسر التي لا تتعامل مع البنوك من خيار الدولار منخفض التكلفة.
وفي الختام، يؤكد الباحث على أن قواعد العملات المستقرة لا يمكن أن تحل محل التعديل الاقتصادي الكلي. ويقترح نهجاً يعتمد على الظروف: الحفاظ على الوصول منخفض التكلفة في الأوضاع الطبيعية، واستخدام قيود مؤقتة ومستهدفة على التدفقات الكبيرة أو التي تشبه الهروب عند ارتفاع عدم التوازن. هذا النهج يمثل تحدياً للجهات التنظيمية وصناع السياسات، الذين يجب عليهم الموازنة بين الابتكار المالي والحفاظ على الاستقرار الاقتصادي في عالم تتسارع فيه وتيرة التغيير الرقمي.
0 تعليقات