الذكاء الاصطناعي الصيني: تهديد سيبراني جديد للبلوكتشين


ارتفاع مذهل في استخدام نماذج الذكاء الاصطناعي الصينية لزرع البرمجيات الخبيثة على البلوكتشين، محوّلة الشبكات اللامركزية إلى ملاذ آمن للمهاجمين. نحلل الأسباب والتداعيات الأمنية.

السياق: ثغرة جديدة في عمق اللامركزية

كشف تقرير حديث صادر عن شركة التحليلات الشهيرة تشيناليسيس (Chainalysis) عن تطور مقلق في المشهد الأمني للعملات الرقمية، حيث شهدت الأوامر البرمجية الخبيثة المخزنة على سلاسل البلوكتشين زيادة هائلة بلغت 440% في أقل من عام. يعزو التقرير هذه القفزة إلى ظهور نماذج الذكاء الاصطناعي الصينية مفتوحة المصدر وغير المقيدة، والتي أتاحت للمهاجمين القدرة على إنشاء وتوزيع تعليمات البرمجيات الضارة بسهولة غير مسبوقة. هذه التقنية، التي أُطلق عليها اسم "نقاط الإسقاط الميتة على البلوكتشين" (Blockchain Dead Drops - BDDs)، تستغل الطبيعة الدائمة واللامركزية لسلاسل الكتل لتوفير وسيلة مستمرة وغير قابلة للتعطيل للتحكم في الأجهزة المخترقة، بعيداً عن أيدي السلطات التي قد تغلق الخوادم المركزية التقليدية.

على الرغم من أن مفهوم تخزين البيانات الضارة على البلوكتشين ليس جديداً تماماً، حيث يعود تاريخه إلى عام 2013 مع شبكة روبوتات "نكيورس" التي استخدمت نسخة من بيتكوين تسمى "نيمكوين"، إلا أن الانتشار الحالي هو ما يثير القلق. ففي عام 2023، وصلت هذه التقنية إلى سلاسل متوافقة مع آلة إيثيريوم الافتراضية (EVM) تحت اسم "إيثر هايدينغ" (EtherHiding)، وقد رصدت غوغل لاحقاً مجموعة "UNC5342" الكورية الشمالية تستخدمها في هجمات معقدة. لكن الانفجار الحقيقي، وفقاً لتشيناليسيس، بدأ في منتصف عام 2025 مع إطلاق نماذج الذكاء الاصطناعي الصينية القوية التي لا تحتوي على أي قيود ضد توليد أكواد ضارة، مما أزال حاجز المهارة الذي كان يحول دون انتشار هذه الهجمات في السابق وجعلها حكراً على نخبة قليلة من المخترقين.

التحليل: تحديات الأمن السيبراني والجهات الفاعلة

يشير التقرير إلى تحول لافت في طبيعة الجهات الفاعلة التي تستخدم هذه التقنية. ففي حين كان مجرمو الإنترنت يمثلون الغالبية العظمى من مستخدمي "نقاط الإسقاط الميتة" حتى أوائل عام 2024، أصبحت المجموعات المرتبطة بالدول تشكل ما يقرب من ثلثي النشاط الجديد بحلول الربع الثاني من عام 2026، ونصف إجمالي النشاط. على سبيل المثال، تدير مجموعة "UNC5342" الكورية الشمالية الآن نظام ترحيل ثلاثي السلاسل، حيث توجه المؤشرات على سلاسل ترون (TRON) وأبتوس (APTOS) الأجهزة المصابة إلى أجهزة مشفرة على سلسلة بينانس الذكية (BNB Smart Chain). هذا التكتيك يجعل تعطيل عملياتهم يتطلب إجراءً متزامناً عبر جميع السلاسل الثلاث، مما يضاعف من تعقيد المهمة على الجهات الدفاعية.

كما رصدت تشيناليسيس مشغلين استخباراتيين إيرانيين مشتبه بهم يرسلون دفعات صغيرة من البيتكوين إلى عنوان معروف مرتبط بـساتوشي ناكاموتو، حيث تبحث البرمجيات الخبيثة عن البيانات داخل كل معاملة، ثم تقوم بفك تشفيرها لاستعادة البنية التحتية الحالية للمهاجم. في المقابل، يبيع مجرمون يتحدثون الروسية هذه القدرة كخدمة، حيث تتحكم محفظة واحدة على بلوكتشين بوليغون (POL) في أسطول من عقود الحلول، يبدو أن كل منها يخدم عميلاً مختلفاً. يبرز هذا المشهد تحدياً جوهرياً للمدافعين، فبينما توفر سلاسل الكتل متانة لا مثيل لها للمهاجمين، فإن نفس هذه الخاصية تجعل تعطيل الهجمات أمراً بالغ الصعوبة دون قطع حركة مرور البلوكتشين بأكملها، وهو ما سيؤثر حتماً على جميع المحافظ والتطبيقات المشروعة. الخطر هنا لا يكمن في قوة السلاح الفتاك، بل في قدرة الحملات على البكيفاء والاستمرارية.

الخلاصة

إن الارتفاع الملحوظ في استخدام الذكاء الاصطناعي لإنشاء "نقاط إسقاط ميتة" على البلوكتشين يمثل تطوراً خطيراً في ساحة الأمن السيبراني. فبينما توفر تقنية البلوكتشين مزايا فريدة مثل الشفافية والمقاومة للرقابة، فإن خصائصها الجوهرية تُستغل الآن لتوفير ملاذ آمن للمهاجمين، مما يمنحهم استمرارية غير مسبوقة في حملاتهم الخبيثة. هذا التحدي يتطلب يقظة مستمرة وتطويراً لأساليب دفاعية مبتكرة، ويؤكد على الحاجة الماسة لفهم أعمق لكيفية تفاعل التقنيات الناشئة مثل الذكاء الاصطناعي مع البنى التحتية اللامركزية، لضمان مستقبل رقمي أكثر أماناً.

إرسال تعليق

0 تعليقات