في تحول لافت يعيد تشكيل مسار التعليم العالي ومستقبل سوق العمل، بدأت مؤشرات واضحة تلوح في الأفق حول تراجع اهتمام الطلاب بتخصصات علوم الحاسوب والبرمجة. كشف تقرير حديث صادر عن بنك جولدمان ساكس عن انخفاض ملحوظ في معدلات الالتحاق بهذه التخصصات، في ظاهرة تُعزى بشكل مباشر إلى المخاوف المتزايدة من تأثير الذكاء الاصطناعي على فرص العمل المستقبلية.
تشير البيانات إلى أن معدلات الالتحاق بعلوم الحاسوب والبرمجة شهدت انخفاضاً تجاوز 10% في العام الأكاديمي 2025-2026، وهو ما يمثل انعكاساً مفاجئاً لسنوات من النمو المطرد في هذه التخصصات. هذا التراجع ليس مجرد رقم، بل هو جزء من إعادة تقييم أوسع للتعليم العالي، حيث بات الطلاب وأرباب العمل وحتى كليات إدارة الأعمال يقيسون قيمة الشهادات بمدى مقاومتها للتشغيل الآلي. في المقابل، شهدت التخصصات ذات المخاطر المنخفضة من إزاحة الذكاء الاصطناعي، مثل الرعاية الصحية والهندسة، نمواً متوسطاً بلغ حوالي 3%.
لم تكتفِ جولدمان ساكس بالاستنتاجات السطحية، بل قام الاقتصادي بييرفرانشيسكو مي بدراسة معمقة لمسارات التوظيف الفعلية للخريجين. عبر تحليل بيانات مسح التعداد السكاني من 2022 إلى 2024، قام بربط أكثر من 180 تخصصاً بالوظائف التي يشغلها خريجوها، ثم صنف كل مهنة بناءً على مخاطر الأتمتة. كانت النتيجة صادمة: تخصصات علوم الحاسوب والإحصاء والأعمال الكمية تحمل أعلى مستويات المخاطر، بينما صنفت الصيدلة والتمريض والتعليم ضمن التخصصات الأكثر أماناً.
تأتي هذه المخاوف في ظل تقديرات جولدمان ساكس بأن الذكاء الاصطناعي يواصل إلغاء الوظائف في الولايات المتحدة شهرياً، مع توقعات بأن يكون التكيف مع هذا التحول أسرع بكثير مما كان عليه في التحولات التكنولوجية السابقة. وقد بلغ معدل البطالة بين الخريجين الجدد حوالي 5.7% بنهاية عام 2025، بينما وصل معدل العمالة الناقصة إلى 42.5%، وهو الأعلى منذ عام 2020. الشركات الكبرى، مثل 'بلوك' التي خفضت حوالي 4000 وظيفة بسبب الأتمتة، تؤكد هذا الاتجاه. ويحذر الرئيس التنفيذي لشركة ServiceNow، بيل ماكديرموت، من أن بطالة الخريجين الجدد قد ترتفع إلى منتصف الثلاثينات مع استيعاب وكلاء الذكاء الاصطناعي لمهام بداية المسار الوظيفي.
لم تتوقف هذه الظاهرة عند مرحلة البكالوريوس، بل امتدت لتطال الدراسات العليا، حيث بدأت برامج الماجستير في إدارة الأعمال متوسطة المستوى في خفض الرسوم الدراسية بنسب تصل إلى 50%. هذا التحول الجذري يؤكد أننا أمام مرحلة جديدة تتطلب إعادة تقييم شاملة للمسارات المهنية والتعليمية، مع التركيز على المهارات التي لا يمكن للذكاء الاصطناعي استبدالها بسهولة.
0 تعليقات